ابن قيم الجوزية

610

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قال : « الدرجة الثانية : أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه من سمة اللائمة . ويملّكه عواقب الهفوات . كما فعل بسليمان عليه السلام حين قتل الخيل « 1 » فحمله على الريح الرّخاء . فأغناه عن الخيل . وفعل بموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه . ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه السلام ، ونوح ، وداود ، ويونس عليهم السلام » . والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن في التي قبلها منعا من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارا . وفي هذه : إذا عرضت له أسباب النقيصة ، التي يستحق عليها اللائمة ، لم يعتبه عليها ولم يلمه . وهذا نوع من الدلال . وصاحبه من ضنائن اللّه وأحبابه . فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه . لأن المحبة أكبر شفعائه . وإذا هفا هفوة ملّكه عاقبتها ، بأن جعلها سببا لرفعته ، وعلو درجته . فيجعل تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح ، وذل خاص ، وانكسار بين يديه ، وأعمال صالحة تزيد في قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة . فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات كثيرة . وهذا من علامات اعتناء اللّه بالعبد ، وكونه من أحبابه وحزبه . وقد استشهد الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر . فأخذته الغضبة للّه والحمية . فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف وأتلف مالا شغله عن اللّه في اللّه . فعوضه اللّه منه : أن حمله على متن الريح فملّكه اللّه تعالى عاقبة هذه الهفوة . وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة الرفيعة . واستشهد بقصة موسى صلى اللّه عليه وسلم ، حين ألقى الألواح - وفيها كلام اللّه - عن رأسه . وكسرها ، وجرّ بلحية أخيه . وهو نبي مثله ، ولم يعاتبه اللّه على ذلك ؛ كما عتب على آدم عليه السلام في أكل لقمة من الشجرة ، وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه « 2 » . وعلى داود في شأن امرأة أوريا « 3 » وعلى يونس في شأن المغاضبة . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها . ولم يعتب عليه ربه . وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي صلى اللّه عليه وسلم . إذ رفعه فوقه ، ورفع صوته بذلك . ولم يعتبه اللّه على ذلك . قال : لأن موسى - عليه السّلام - قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال . فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء اللّه تعالى . وتصدى له ولقومه . وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة . وجاهد في اللّه أعداء اللّه أشد الجهاد . وكان شديد الغضب لربه ، فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره .

--> ( 1 ) روي عن الزهري وقتادة - وهو ظاهر رواية عن ابن عباس - أن مسح سليمان لسوق الخيل وأعناقها : كان بيده . لا بالسيف . ويؤيده سياق الآيات وحال ومنزلة سليمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الرسالة والحكمة المنافية لما قيل من قتله الخيل ، وإتلافها . وفي نواصيها الخير ، كما قال رسول اللّه . ( 2 ) وهل أشد من عتاب اللّه على نوح عليه السلام ووعظه إياه في قوله سبحانه : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) [ هود : 46 ، 47 ] . ( 3 ) قصة امرأة أوريا باطلة . من وضع اليهود ، أعداء اللّه ورسله . والخصمان والنعاج على الحقيقة . واستغفار داود : لأنه انقطع في محرابه عن الناس والحكم بينهم ، وفصل خصوماتهم . ووظيفته في الخلافة للفصل بين المتخاصمين : عبادة في حقه .